المغالطات المنطقية في الاستثمار والادخار

الدرس الحالي

مغالطة البقاء: كيف تشوه نظرتنا إلى النجاح في الاستثمار والادخار

مقدمة

عندما نتأمل قصص النجاح في الأسواق المالية أو الشركات الناشئة، غالبًا ما نسمع عن الأفراد أو المؤسسات التي حققت ثروات طائلة. نقرأ عن صناديق استثمار حققت عوائد خارقة، أو شركات بدأت في المرآب وانتهت بقيمة سوقية بالمليارات. هذه القصص ملهمة، لكنها تخفي جانبًا مهمًا: حالات الفشل التي لا نراها. ميلنا إلى التركيز على الناجين وإهمال من لم ينجُ يُعرف في علم السلوك المالي بـ مغالطة البقاء (Survivorship Bias). وهي شكل من أشكال الانحيازات التي تؤدي إلى تفسير خاطئ للبيانات والاعتماد على عينة غير ممثلة للواقع. في هذا الدرس سنتعرف على هذه المغالطة من خلال أمثلة تاريخية وتأثيراتها في الاستثمار والادخار، ثم نقدم إستراتيجيات عملية لتجنبها.

مفهوم المغالطة وأصلها

تعريف مغالطة البقاء

تعرف مغالطة البقاء بأنها انحياز في اختيار العينة يحدث عندما تتضمن البيانات «الناجين» فقط دون تضمين الأفراد أو المؤسسات التي لم تبقَ موجودة. في مجال التمويل، تظهر هذه المغالطة عند تقييم أداء الأسهم أو الصناديق استنادًا إلى الشركات أو الصناديق التي ما زالت موجودة، مع تجاهل تلك التي خرجت من السوق بسبب الاندماجات أو الإفلاس أو الأداء الضعيف. هذا التحيز يجعل النتائج تبدو أفضل مما هي عليه، لأن البيانات لا تشمل الخاسرين.

مثال تاريخي: طائرات الحرب العالمية الثانية

إحدى أشهر القصص المرتبطة بمغالطة البقاء هي قصة إبراهام والد أثناء الحرب العالمية الثانية. كان الجيش الأمريكي يحاول معرفة الأماكن المناسبة لتدعيم الطائرات لمنع إسقاطها. درس الباحثون الطائرات العائدة ولاحظوا أن معظم الثقوب كانت في الأجنحة والذيل. بناءً على ذلك قرروا إضافة المزيد من الدروع إلى هذه المناطق. لكن عالم الإحصاء إبراهام والد لاحظ مشكلة في هذا المنطق: الطائرات التي عادت هي الناجية، أما الطائرات التي أصيبت في أماكن أكثر حرجًا مثل المحركات أو قمرة القيادة فلم تعد أبداً. وبالتالي فإن البيانات المتاحة تمثل الطائرات التي تحملت الضرر، وليست تلك التي أُسقطت. اقترح والد تدعيم المناطق التي لم تظهر عليها أضرار في الطائرات العائدة، أي المحركات وقمرة القيادة، لأنه أدرك أن الثقوب في هذه الأماكن كانت تسبب سقوط الطائرات وعدم عودتها. هذا الفهم أنقذ حياة العديد من الطيارين، ويُعد مثالًا واضحًا على أهمية مراعاة الحالات الغائبة.

كيف يظهر الانحياز في المجال المالي؟

أداء الصناديق والمؤشرات

في الدراسات التي تقيّم أداء الصناديق المشتركة أو المؤشرات، كثيرًا ما تُستبعد الصناديق التي تم إغلاقها أو دمجها بسبب الأداء الضعيف. حين يُحتسب متوسط عائد الصناديق الباقية فقط، يبدو الأداء أعلى بكثير من الواقع. على سبيل المثال، تشير دراسة في مجال التمويل إلى أنه إذا تم حساب متوسط عائد الصناديق الناجية فقط فسيبلغ 9%، بينما إذا شُملت جميع الصناديق — بما فيها التي تم إغلاقها — سينخفض المتوسط إلى 3%. الفرق هنا كبير ويُظهر كيف يؤدي إغفال الصناديق الفاشلة إلى تضخيم النتائج.

تشرح مقالة من موقع The Decision Lab كيفية حدوث هذا التحيز: عند حساب أداء مجموعة من الصناديق في نهاية العام، إذا تم التركيز فقط على الصناديق التي ما زالت قائمة واستبعاد الصناديق التي اندمجت أو أفلست، فإن بيانات الأداء تكون منحازة لصالح الناجين. في مثال مبسط، لنفترض أن 1000 صندوق استثماري موجود في بداية العام وتوقف 100 صندوق بسبب الأداء السيئ. إذا جاء الباحث في نهاية العام وحلل أداء الصناديق المتبقية فقط، فإنه سيقع في مغالطة البقاء؛ لأنه تجاهل الصناديق التي خرجت من السوق.

دراسة أخرى أظهرت أن هذا التحيز أكثر وضوحًا في الصناديق الصغيرة؛ لأن احتمالية إغلاقها أكبر من الصناديق الكبيرة. حيث قدّر الباحثون أن حجم تحيز البقاء يبلغ حوالي 0.9% سنويًا على مستوى صناعة الصناديق الأمريكية. هذا الرقم يبدو صغيرًا، لكنه يتراكم مع مرور السنوات ويؤثر على تقييم الأداء.

مثال من الحياة اليومية: الحسابات التوفيرية

تحدث مغالطة البقاء أيضًا عند تقييم الحسابات التوفيرية أو خطط الادخار. إذا قام شخص بقياس متوسط عائد خطط ادخار موجودة لدى مجموعة من الأصدقاء، فمن المحتمل أن تشمل العينة من ما يزال يستثمر في هذه الخطط لأنهم راضون عن أدائها، بينما الأشخاص الذين أوقفوا الادخار بسبب ضعف العائدات أو احتاجوا إلى المال قد لا يتم أخذهم في الحسبان. وهذا يعطي انطباعًا مضللًا بأن خطة الادخار تحقق نتائج ممتازة، بينما الواقع قد يكون مختلفًا.

شركات التكنولوجيا والعصر الذهبي

خلال فقاعة الإنترنت أواخر التسعينيات، انبثقت آلاف الشركات الناشئة في مجال التقنية. القليل منها نجا وأصبح عملاقًا مثل أمازون أو جوجل، لكن معظم تلك الشركات اختفت. إذا ركزنا فقط على قصص النجاح، قد نعتقد أن الاستثمار في أي شركة تكنولوجيا يحقق ثروات طائلة، لكن تجاهل القصص الكثيرة للشركات التي أفلست يخلق صورة زائفة. مقالة من Quant Investing تسلط الضوء على هذه الظاهرة، حيث تشير إلى أن النجاحات مثل أمازون وآبل تُذكر دائمًا، بينما تُنسى الشركات التي فشلت، ما يجعل المستثمرين يعتقدون أن الاستثمار في التكنولوجيا ناجح في أغلب الأحيان.

الأسباب النفسية والسلوكية

حب النجاح وإغفال الفشل

يميل البشر بشكل طبيعي إلى التعلق بالقصص الإيجابية. نحن نحب سماع حكايات النجاح لأنها ملهمة ومريحة. هذا الميل يؤدي إلى إغفال الفشل أو عدم الحديث عنه. في عالم الاستثمار، يتم تسويق صناديق ذات أداء متميز، لكن نادرًا ما يتم التحدث عن الصناديق التي أغلقت أبوابها بسبب الأداء السيئ. كذلك، الشركات الناشئة الناجحة تحظى بتغطية إعلامية واسعة، بينما لا تُذكر الشركات التي فشلت، مما يعزز الافتتان بقصص النجاح.

الانحياز لتأكيد رؤيتنا

انحياز التأكيد – الذي تناولناه في درس سابق – يمكن أن يتفاعل مع مغالطة البقاء. عندما يؤمن المستثمر بجدوى استراتيجية معينة، فإنه يميل إلى التركيز على القصص التي تدعم رؤيته، مثل الشركات الناجحة، ويتجاهل الدلائل المناقضة. بذلك يتعزز الإحساس بأن استراتيجيته صحيحة، ما يزيد من خطر اتخاذ قرارات مالية غير متوازنة.

التبسيط واستخدام عينات سهلة

من منظور إحصائي، جمع بيانات شاملة تشمل الناجين وغير الناجين يحتاج إلى وقت وجهد وموارد. الباحثون أو المحللون قد يختارون العينات الأسهل حصولاً، مثل قواعد بيانات الصناديق الحالية، ويهملون البحث عن البيانات المفقودة. هذا التبسيط يوفّر الوقت لكنه يؤدي إلى انحياز كبير في النتائج.

المخاطر المترتبة على مغالطة البقاء

تضخيم العوائد وتقدير المخاطر بشكل خاطئ

عند التركيز على الناجين، يتم تضخيم متوسط العائد، كما في مثال الصناديق الذي ذكرناه؛ حيث يظهر متوسط العائد 9% بدلاً من 3%. هذا التضخيم يجعل المستثمرين يعتقدون أن الاستثمار في تلك الفئة من الأصول يحقق مكاسب عالية بأقل قدر من المخاطرة. لكن الحقيقة أن العديد من الصناديق التي سقطت ضحية الأداء السيئ قد مُحيت من البيانات، وبالتالي تقلل من المخاطرة الظاهرة.

إحساس زائف بالأمان

مغالطة البقاء تخلق إحساسًا زائفًا بالأمان. عندما يرى المستثمر أو المدخر أن عائدات بعض الأدوات مرتفعة دون معرفة نسبة الصناديق أو الشركات التي فشلت، قد يعتقد أن النجاح مضمون. هذا الشعور قد يدفعه إلى اتخاذ مخاطر أكبر، مثل الاستثمار في شركات ناشئة مرتفعة المخاطر أو عدم تنويع محفظته.

عدم تقييم استراتيجيات جديدة بشكل صحيح

المستثمرون الباحثون عن استراتيجيات جديدة قد يعتمدون على تقارير أو دراسات ملوثة بهذا التحيز، فتبدو الاستراتيجية أكثر نجاحًا مما هي عليه. يؤدي ذلك إلى تبني استراتيجيات غير مجدية على المدى الطويل وإهدار الموارد.

استراتيجيات للحد من مغالطة البقاء

1. البحث عن البيانات الكاملة والمصادر المحايدة

أحد أهم السبل لتجنب هذا التحيز هو استخدام قواعد بيانات شاملة. توضح مقالة في Angel One أن الباحثين بحاجة إلى انتقاء مصادر البيانات بعناية لضمان عدم استبعاد صناديق أو شركات أغلقت بسبب الأداء السيئ. في مجال الصناديق المشتركة، هناك قواعد بيانات «خالية من مغالطة البقاء» تتيح للمستثمرين رؤية أداء جميع الصناديق بما فيها التي اختفت. عند تقييم الاستثمارات، يجب التأكد من أن البيانات لا تستبعد الفاشلين بشكل غير مقصود.

2. تقييم العوائد على مدى فترات طويلة

الفترات القصيرة قد تلتقط فقط «الفائزين» المحظوظين. لذلك ينصح الخبراء بتقييم الاستثمارات على مدى فترات زمنية ممتدة، ما يسمح برؤية أداء الصناديق في دورات اقتصادية مختلفة. فأداء قوي خلال عام أو عامين قد يكون نتيجة حظ، بينما الأداء المتسق على مدى عشر سنوات يشير إلى إستراتيجية فعّالة. Financial Edge تذكر أن الاعتماد على فترات قصيرة يزيد من احتمال وقوع الباحث في فخ البقاء.

3. إدراك أهمية الفشل والتعلم منه

يقترح موقع Quant Investing تعلّم الدروس من الفشل بقدر ما نتعلم من النجاح. قراءة قصص الفشل تمنح المستثمرين رؤية متوازنة عن المخاطر، وتساعد في فهم أسباب إخفاق بعض الشركات أو الصناديق. هذا الإدراك يعزز النظرة الواقعية ويقلل من تأثير القصص الخيالية.

4. تنويع المحفظة وعدم الاعتماد على القلة الناجية

نتيجة مغالطة البقاء هي الاعتقاد بأن استثمارًا معينًا آمن لأنه ناجح اليوم. العلاج هو التنويع؛ أي توزيع الاستثمارات على قطاعات وأصول مختلفة لتقليل الاعتماد على نجاح عدد قليل من الشركات. بهذه الطريقة، إذا فشلت بعض الاستثمارات، يمكن للمستثمر الاحتفاظ بأجزاء أخرى من محفظته تحقق أداءً جيدًا. يشدّد الخبراء في Angel One على ضرورة تنويع الأصول وتقييم جميع العناصر في المحفظة، وعدم حذف العناصر التي انتهت.

5. استخدام أدوات موضوعية وتحليل شامل

يمكن للمستثمرين الاستعانة بأدوات التحليل المالي واستخدام معايير مثل العائد المعدل للمخاطر أو النسب المالية للتحقق من جودة الاستثمار. في تقييم الصناديق، يجب قراءة المنهجية المستخدمة في الدراسات والتأكد من أنها تذكر ما إذا كانت تضم الصناديق المندمجة أو المنحلة. كما يمكن الاستعانة بمستشار مالي مستقل لتحليل النتائج وتحديد ما إذا كان هناك انحياز في اختيار البيانات.

6. فحص الروايات الشائعة واستجوابها

عندما تقرأ قصة نجاح لشركة ناشئة أو صندوق استثمار، حاول أن تسأل: كم عدد الشركات الأخرى التي حاولت وفشلت؟ ما هي الظروف التي سمحت لهذه الشركة بالنجاح؟ هل يمكن لهذه الظروف أن تتكرر؟ هذا التساؤل يساعد على إدراك أن النجاح ليس القاعدة بل هو نتيجة تفاعل عوامل متعددة، وبالتالي يحد من الاندفاع خلف القصص الجميلة.

خاتمة

مغالطة البقاء هي انحياز راسخ يجعلنا نركز على النجاحات وننسى الفشل. عرفنا في هذا الدرس كيف تؤدي هذه المغالطة إلى تضخيم العوائد وتوفير صورة غير واقعية عن المخاطر في عالم الاستثمار والادخار. تعلمنا من قصة إبراهام والد أن البيانات التي لا نراها لا تقل أهمية عن البيانات المتاحة، وأن نجاح الطائرات العائدة يخفي حقيقة الطائرات التي لم تعد. كما رأينا كيف يخلق التركيز على الصناديق الناجحة أو الشركات الناجحة انطباعًا مضللًا عن الأداء، حيث يمكن أن يكون متوسط العائد الفعلي أقل بكثير مما يظهر في الدراسات المنحازة. أخيرًا، تناولنا طرقًا عملية لتجنب هذا التحيز، مثل استخدام بيانات شاملة وتقييم الأداء على مدى فترات طويلة والتعلم من الفشل وتنويع المحفظة.

بالوعي والبحث الدقيق، يمكن للمستثمرين والمدخرين اتخاذ قرارات أكثر حكمة وواقعية، بعيدًا عن وهج قصص النجاح المضللة. إن فهم مغالطة البقاء وإدراك تأثيراتها خطوة مهمة نحو تحسين استراتيجية الاستثمار والادخار وتعزيز القدرة على تقييم الفرص والمخاطر بطريقة علمية.